فخر الدين الرازي

11

تفسير الرازي

يتمسك بفضله ورحمته ، وعند الرخاء والراحة يعرض عنه ويتمسك بغيره . والنوع الثالث : قوله : * ( أفأمنتم أن نخسف بكم جانب البر ) * قال الليث : الخسف والخسوف هو دخول الشيء في الشيء . يقال : عين خاسفة وهي التي غابت حدقتها في الرأس ، وعين من الماء خاسفة أي غائرة الماء ، وخسفت الشمس أي احتجبت وكأنها وقعت تحت حجاب أو دخلت في جحر . فقوله : * ( أن نخسف بكم جانب البر ) * أي نغيبكم من جانب البر وهو الأرض ، وإنما قال * ( جانب البر ) * لأنه ذكر البحر في الآية الأولى فهو جانب ، والبر جانب ، خبر الله تعالى أنه كما قدر على أن يغيبهم في الماء فهو قادر أيضاً على أن يغيبهم في الأرض ، فالغرق تغييب تحت الماء كما أن الخسف تغييب تحت التراب ، وتقرير الكلام أنه تعالى ذكر في الآية الأولى أنهم كانوا خائفين من هول البحر ، فلما نجاهم منه آمنوا ، فقال : هب أنكم نجوتم من هول البحر فكيف أمنتم من هو البر ؟ فإنه تعالى قادر على أن يسلط عليكم آفات البر من جانب التحت أو من جانب الفوق ، أما من جانب التحت فبالخسف . وأما من جانب الفوق فبامطار الحجارة عليهم ، وهو المراد من قوله : * ( أو نرسل عليكم حاصباً ) * فكما لا يتضرعون إلا إلى الله تعالى عند ركوب البحر ، فكذلك يجب أن لا يتضرعوا إلا إليه في كل الأحوال . ومعنى الحصب في اللغة : الرمي . يقال : حصبت أحصب حصباً إذا رميت والحصب المرمي . ومنه قوله تعالى : * ( حصب جهنم ) * أي يلقون فيها ، ومعنى قوله : * ( حاصباً ) * أي عذاباً يحصبهم ، أي يرميهم بحجارة ، ويقال للريح التي تحمل التراب والحصباء حاصب ، والسحاب الذي يرمي بالثلج والبرد يسمى حاصباً لأنه يرمي بهما رمياً . وقال الزجاج : الحاصب التراب الذي فيه حصباء والحاصب على هذا ذو الحصباء مثل اللابن والتامر وقوله : * ( ثم لا تجدوا لكم وكيلاً ) * يعني لا تجدوا ناصراً ينصركم ويصونكم من عذاب الله ، ثم قال : * ( أم أمنتم أن نعيدكم فيه ) * أي في البحر تارة أخرى وقوله : * ( فنرسل عليكم قاصفاً ) * من الريح القاصف الكاسر يقال : قصف الشيء يقصفه قصفاً إذا كسره بشدة ، والقاصف من الريح التي تكسر الشجر ، وأراد ههنا ريحاً شديدة تقصف الفلك وتغرقهم وقوله : * ( فنغرقكم بما كفرتم ) * أي بسبب كفركم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعاً . قال الزجاج : أي لا تجدوا من يتبعنا بإنكار ما نزل بكم بأن يصرفه عنكم ، وتبيع بمعنى تابع . واعلم أن هذه الآية مشتملة على ألفاظ خمسة : وهي قوله : * ( أن نخسف . أو نرسل . أو نعيدكم . فنرسل . فنغرقكم ) * قرأ ابن كثير وأبو عمرو جميع هذه الخمسة بالنون ، والباقون بالياء ، فمن قرأ بالياء ، فلأن ما قبله على الواحد الغائب وهو قوله : * ( إلا إياه فلما نجاكم ) * ( الإسراء : 67 ) ومن قرأ بالنون فلأن هذا البحر من الكلام ، قد ينقطع بعضه من بعض وهو سهل لأن المعنى واحد . ألا ترى أنه قد جاء * ( وجعلناه